السيد محمدحسين الطباطبائي
22
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ « 1 » . وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنا ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشيء إلّا أخزى نفسه وافتضح في أمره . وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات ، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله : « الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل » وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية « فنولجه فيكن إيلاجا ، ونخرجه منكن إخراجا » فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر ، وهذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى « الحمد للرحمن ربّ الأكوان ، الملك الديان لك العبادة وبك المستعان اهدنا صراط الإيمان » إلى غير ذلك من التقوّلات . فإن قلت : ما معنى كون التأليف الكلامي بالغا إلى مرتبة معجزة للإنسان ووضع الكلام ممّا سمحت به قريحة الإنسان ؟ فكيف يمكن أن يترشّح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل أقوى من فعله ومنشئ الأثر محيط بأثره ؟ . وبتقريب آخر ، الإنسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالّة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعيّة إلى تفهيم الإنسان ما في ضميره لغيره فخاصّة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصّة وضعيّة اعتباريّة مجعولة للإنسان ، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصّة المترشّحة عن قريحة الإنسان حد قريحته فتبلغ مبلغا لا تسعه طاقة القريحة ، فمن المحال حينئذ أن يتحقّق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة وإلّا كانت غير الدلالة الوضعيّة الاعتباريّة ، مضافا إلى أن التراكيب الكلاميّة لو فرض أن بينها تركيبا بالغا حد الإعجاز كان معناه أنّ كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها ، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وأبلغها لا تسعه طاقة البشر ، وهو التركيب المعجز ، ولازمه أن يكون في كلّ معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي مع أنّ القرآن كثيرا ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرّقة ، وهو في
--> ( 1 ) هود - 5 .